الجمعة، 25 مارس 2011

حالة التخبط والعودة الى بنيامين

الثورات العربية ما زالت في اوجها, الثورات في تونس ومصر حطت اوزارها ولكن لا احد يعلم وجهتها, هل ستحقق الامال وتخفف الالام ام ستعود الكرة ثانية ويظهر بعض المنتفعين ويعود كل الى مكانه الذي يعرف, ثم بوادر خير نرجو الله ان يتمم بخير وشرق فجر جديد في مصر وتونس .
اما ما يحدث في اليمن وسوريا وثمة بوادر اردنية تطفو على السطح فلا نعلم الى اين تتجه الرياح, لكنني والله ارغب ان تنقلب عروش اصحاب النذالة من ملوك (مماليك ورؤساء(مرائيس!) على رؤوسهم ويولون هاربين كما فعل بن علي ومبيريك (مبارك) .


التخبط هو عنوان المرحلة الشخصية ايضا, في اليام الاخيرة ابحث عن افق جيد في مجال البحث العلمي, لفكر في اكثر من موضوع ومجال لاخوض غماره, ولكنني سرعان ما اتراجع متقوقعا على قراءات لا اول لها ولا اخر. اكب هذه الايام على دراسة بعض كبار النقاد في العصر الحديث امثال فالتير بنيامين, ادورنو, وياكبسون, وغيرهم.
ساتوقف قليلا عند بنيامين(1892-1940) ذلك الناقد الالماني الجميل الذي انتحر خوفا من النازيين واضعا بذلك حدا لحياة اتسمت بالاسى والعذاب. الذي جعلني اعرج على ذكر بنيامين هو موقفه من الفن ودور الفن في تغيير المجتمع وحض البسطاء والكادحين (العمال) على الثورة وذلك حسب النظرية الماركسية التي آمن بها بنيامين وهو اليهودي الالماني, في مقالته الشهيرة " الفن في عصر الاستنساخ الآلي" اكد بنيامين على الدور الكبير الذي يؤديه الفيلم (كنوع من الفن) في الثورات, في ايقاظ الجماهير وتوعيتها وحضها على الثورة ضد الظلم الاجتماعي والطبقي والاستغلال. هذا الراي لبنيامين حول الفن واهميته وخاصة الفن في العصر التقني والتركيز على السينما وصناعة الافلام وتاثيرها تعارض مع راي زميله في مدرسة فرانكفورت "ادورنو" ادورنو وهو الاخر مفكر بارز في تلك المجموعة دحض ادعاءات صديقه بنيامين بقوله ان دور السينما والفن بشكل عام سلبي وهدام, فحسب  ادورنو ان الافلام هي بمثابة تخدير وتنويم للناس وبذلك يصبح الفن نوع من التهدئة وتفريغ شحنات الغضب والنقمة على الظلم والاستغلال والكبت للفرد. بمفهوم ادورنو عندما يشاهد الانسان الفيلم يتخدر وتفتر حماسته ويعود الى عمله او عائلته وقد تخلص من شحنات الشعوروالغضب والاحتجاج في قاعة السينما. من هنا يرى ادورنو ان دور الفن هو سلبي ويبعث على الخمول والتكيف مع الامر الواقع مهما كان مرا وظالما.
لماذا اورد هذا الشرح المستفيض هنا؟ لا انا لست بصدد درس في الفلسفة او النقد الادبي . السبب هو التطورات الاخيرة في العالم العربي والتي يمكن شرحها بالاستئناس بافكار ادورنو وبنيامين! بشكل عام بدت افكار ادورنو حول الفن ودوره السلبي هي الاجدر والاكثر اقناعا. فمن يلقي سمعا الى افكار بنيامين حول دور السينما الثوري في تغير المجتمع.. من يسمع كلاما كهذه سيسخر منه وسينسبه الى الدعاية الماركسية التي عفا عليه الزمن ولكن..
من يلقي بالا الى ثورة الفيسبوك في مصر وما احدثته شبكة الانترنيت من تاثير حاسم على الثورات العربية في مصر وتونس وسوريا وووو.. هنا تقفز الى الاذهان نظرية بنيامن حول الفن في عصر الاستنساخ التقني. ها هي الوسائل التكنلوجية واجهزة الاتصال تغير وجه التاريخ, ان وسائل الاتصال والافلام بما فيها الافلام القصيرة (في اليوتيوب) لعبت دورا حاسما في حض الجماهير على الثورة, هكذا وفي هذا الوقت بالذات وعلى ضوء الاحداث الاخيرة المتسارعة في عالمنا العربي وغيره من انحاء العالم تعود اسئلة تاثير الفن واستنساخه تقنيا بقوة الى ساحة الحديث مما يؤكد عالمية وآنية افكار بنيامين ذلك المفكرالذي انتحر في ظروف ماساوية وعانى كثيرا في حياته ولم تسعفه الاقدار برؤية احتفاء المحافل العلمية بانجازاته, بالعودة الى طروحاته والاستضاءة بافكاره علنا نساهم في رد الجميل والمساهمة في الاعتراف بمساهمات بنيامين النقدية والفلسفية كاحد عمالقة الفكر العالمي في القرن العشرين. 

الجمعة، 11 فبراير 2011

شاهد على العصر


مساء 11.2.2011 اجلس مسمرا مشدوها أمام شاشة الجزيرة الغالية على قلبي (وعلى قلب كل عربي حر في كل مكان وزمان) أراقب الأحداث المتسارعة وانتظر بيانا رئاسيا أخيرا حول السقوط المريع لأحد رموز دولة العجائز المتهاوية ذلك الطاغية, جاء البيان ساحقا, تاريخيا, ودراميا في آن.الطاغية يضع  ذيله بين رجليه ويفر من المكان. أثناء انتظار البيان كنت القي نظرة على قناة التلفزيون المصري, كانت المذيعة حائرة, وقد أوشك المحتجون على احتلال مبنى التلفزيون وعمال مبارك (الهارب) في التلفزيون في حيص بيص من أمرهم, كانت الأنباء متضاربة عن سفر الرئيس السابق وتنحيه عن الرئاسة, لاحظت تخبط المذيعين وهم اخلص المخلصين للنظام القديم. بعد ذلك كنت انتقل إلى محطة أخبار النيل والتي كانت قبل أيام قليلة تهلل وتسبح بحمد الرئيس, فجأة رأيت أمرا عجبا, مراسل تلك المحطة يقف بين المتظاهرين أمام التلفزيون المصري ويجري المقابلات المباشرة مع المتظاهرين الذي يطالبون برحيل الرئيس. كان المراسل يرتجف من الخوف ويسترضي الناس, وكأنه اشتم المرحلة التاريخية وشعر بنهاية عهد بائد ونهاية عهد الأعلام الفاسد في خدمة الزعيم وأعطى ذلك المراسل المصريين التعبير بحرية عن آلامهم ونقدهم وسخطهم على النظام ومؤسسة إعلامه الهزيلة. حزنت وفرحت ضحكت وبكيت وأطلقت العنان لدموع سخية وان اشعر بقرب المرحلة التاريخية, في تلك المقابلات مع قناة النيل وضحكت وبكيت عندما سمعت احد المواطنين المصريين البسطاء يقول "عاوزين فلوسنا من مبارك"! انه شعب تعرض للذل والهوان على مدار عشرات السنين من طغمة فاسدة, مرحى لأهل مصر مرحى هذه الصفحة الناصعة البياض, ثورة عربية خالصة نقية طاهرة بيضاء طهر الدماء الزكية التي سالت على ارض المحروسة ومهدت الطريق لثورة البسطاء الحالمين برغيف عيش بكرامة وبدون لكمات وركلات رجال بوليس مبارك.
عندما أعلن عمر سليمان ذلك البائس الآخر عن نهاية ولي نعمته وهربه من غضب الجماهير الثائرة طرت فرحا وشعرت أنني محظوظ وأنا اشهد انتصارا عربيا بمذاق خاص.
لو سألني احدهم قبل شهر من الزمان عن مصر وأهلها لقلت جازما أن هذه الأمة ماتت وتوارت وراء رمال الصحراء منذ زمن  ولن تقوم لها قائمة ولكنني كغيري لم احسب حسابا للتغييرات الكبيرة في بنية المجتمعات العربية, لم أفكر للحظة أن شبكة التواصل الاجتماعي ستفعل فعلها وتنتصر على اعتي أجهزة القمع في العالم فمرحى لوائل غنيم ورفاقه, أصدقائي, لقد غيرتم وجه التاريخ.
من الآن اشعر كعربي إنني استعدت إنسانيتي وكرامتي المهدورة التي فقدتها الذاكرة الجمعية العربية والإسلامية منذ انفصام عرى الدولة العثمانية والتي شعر العرب إثناء أيام عزها أنهم جزء من دولة إسلامية واحدة.
الآن سأضع أصابعي في عيون عتاة المستشرقين وإتباعهم الذي يتشدقون بان العربي ثورته كثورة الجمل (برنارد لويس) والذين يدعون أن الإنسان العربي غير مهيأ للديمقراطية (ما أروع التعبير عن الحرية في ميدان التحرير) إن احتجاجات شباب مصرية الحضارية دحضت المقولات التافهة بان الإنسان العربي خارج التاريخ.
لو تنبأ احد بمثل هذه الثورة قبل أيام قليلة لاتهمه الليبراليون الجدد بالجنون. لقد شهدت المحروسة ثورة شعبية شاملة اعتمدت على الطلاب الجامعيين, البسطاء, العمال الذين افترشوا الميدان حالمين بمستقبل أفضل, بخبز أكثر وخوف اقل وشيء من الكرامة, كنت أرى في عيون أولئك العزم والتصميم, لقد صغرت الدنيا في عيونهم, لن يخسروا شيئا فلن يكون أسوأ مما كان, حتى الموت عند هؤلاء لن يغير في الأمر شيئا, إذا كان بديلا عن امتهان كرامة الإنسان هكذا تتحرر الشعوب وإلا فلا.
إنها البداية فقط, من هنا نبدأ.
 في الأيام الأخيرة كنت كثيرا ما أقف مشدوها أمام شاشة الجزيرة أأنا في حلم أم في علم لا يهم فليستمر هذا الحلم رغم تحققه, انه حلم عربي جميل غير وجه التاريخ, انه تاريخ البسطاء والمهمشين والمستضعفين على الأرض في المجتمع العربي, انه تاريخ النساء اللواتي قدمن من كافة أنحاء الأقاليم ووقفن في مقدمة الصفوف (أيضا هنا أقف شامتا من المستشرقين الذي سألوا في بداية الثورة أين النساء...). ستزدهر حتما دراسات التاريخ الاجتماعي حول مصر وثورتها وماذا بعد... تونس و "بن علي هرب" ومبارك "مشى وراح" لقد انفتحت شهية المواطن العربي انكسر القيد يا ابن تونس الخضرا وعاد الأمل وابتسم على شفاه الجائعين والمقموعين. يحضرني الآن الروائي الراحل عبد الرحمن منيف حول القمع العربي, ليتك تعيش بين ظهرانينا الآن لترى ثمار ما كتبت في رواياتك مع كتاب جيل الستينات (صنع الله إبراهيم, محمد البساطي, إبراهيم أصلان وغيرهم مما أرخوا لسنوات القمع والظلم ونادوا بفجر جديد أنني أرى تباشير الفجر الجديد على شرفات الجزيرة..

الثلاثاء، 4 يناير 2011

افكار

ادب نسائي,
دائما راودتني فكرة! وهي انني غير مطلع بما فيه الكفاية على الادب النسائي, هذا مع انني قرأت روايات لكاتبات مثل : هدى بركات (جيدة) وحنان الشيخ (رائعة في حكاية زهرة) وهيفاء البيطار (اللعنة) وليلى العثمان (لم استسغها) ونوال السعداوي (يا خرابي!) وقصص اخرى هنا وهناك لكاتبات لا تسعفني ذاكرتي الان بأسمائهن. الحقيقة وعلى ضوء هذه القراءات الضحلة في ميدان ادب المرأة لا يحق لي ان اطلق احكاما جائرة (حسب روح ادب المرأة) او احكاما قاطعة على الادب النسوي, ولكن مع هذا اقول واغامر (طبعا ساتهم بالعنصرية والشوفينية) اقول (ورزقي على الله)... ثمة شيء لا يعجبني في كتابات النسوة الكاتبات اللواتي قرات لهن (على الاقل), شيء من السطحية والبعد عن العمق, شيء من الركاكة تظهر بوضوح على اسطح هذه الكتابات, ليلة امس قرات كتابا لهيفاء البيطار "الساقطة" لا بد لي من القول انه كتاب رديء!. وهذا لا يعني باي حال ان كل او اغلب او قسم كبير من الادب الذي تكتبه النساء هو رديء, لن اسقط في هذه الليلة الباردة في فخ هذه التعميمات ولكنني اقول هل تغفر للنسوة الكاتبات قضايا الرفض او النقد للمجتمع الذكوري هذه السطحية واللا عمق في الكتب التي اعرف على الاقل, مع انني اقول بحذر شديد ان ثمة سمة للا عمق من ناحية اللغة والمحتوى تظهر في الادب النسوي وانه ظهرت اكثر من محاولة نقدية جدّية لمحاولة وضع اليد على هذه السمة في الادب النسوي, الرفض والادب الرافض النسوي لا يبرر باي حال من الاحول احتمال رداءة الادب او هذا اعتقد.

نيتشوي المزاج
ثمة علاقة وطيدة اتضحت معالمها في هذه الايام بيني وبين الفلسفة وخصوصا نيتشه, في السابق كنت اسمع باسمه ولا اعيره اي اهتمام, لا ادري ما الذي طرا في الليالي الاخيرة من هذا الشتاء الحزين ,تحضرني روح نيتشه اغوص بين ثنايا كتاب "هكذا تكلم زرداشت" اقراه بالعبرية (يل للعار والشنار). زرادشت ذلك النبي الفارسي ولعل اصله ليس بفارسي ليس مهما الان المهم ان زرادشت نيتشه ينطق جواهرا ومن الاجدى ان استمع الى نصائحه وتعليماته وهو واقف بشموخ وعز وكبرياء على ذلك الجبل.
كتاب اخر لصديقي الجديد نيتشه هو "من هو الانسان" اقراه بالعربية (يا عيني!) ولا يكاد يفارق حقيبتي, اليوم احتسيت فنجانا من القهوة في احد مقاهي حران العامرة ولقد جلس نيتشه بشاربه الكث قبالتي وكان حديثا ذا شجون, ثمة وجع لذيذ يجبرني في كل مرة ان اعود الى نيتشه ومحاولة سبر غور هذا المنجم وتحقيق شيء من فهم فلسفته, يقول نيتشه ان الحياة عبارة عن خدعة كبيرة نتخيل اننا مسيطرون على العالم عن طريق العلم ولكننا نخدع انفسنا, انها فقاعات صابون متطايرة في الهواء, ويقول نيتشه ما وجدت الاخلاق الا لتردعنا عن تحقيق رغباتنا وتكبل ايدينا وتضيق حيز حريتنا وكان لنيتشه شأن مع الاديان اذ اعتبرها مدعاة للخمول والسكون والجلوس وعدم التغيير .
غدا ساتابع رحلتي الصباحية مع نيشته سنتمشى في الصباح معا بجانب تل عراد ونتبادل اطراف الحديث اثناء المشي وساطلب منه ان ينير دربي بالمزيد ..خاصة حول مفهومه للتراجيديا وميلادها, ساخبركم لاحقا بفاكهة الحديث مع نيتشه ساذهب الان لاشتري بعض الحاجيات لنيتشه سنفطر معا...

السبت، 18 ديسمبر 2010

موت المثقف

اذا ما القينا نظرة عامة على الرواية العربية الجديدة واذا ارخنا لهذه الرواية بجيل الستينات في مصر بشكل فضفاض وغير دقيق ومجازف الى حد ما ! فاننا سنجد صورة قاتمة تسود العوالم الروائية, ان الاسى وعدم النجاح في ايجاد اجوبة للاسئلة التي يطرحها هذا الادب ابرز ما يميز الرواية العر بية الجديدة, ففي جيل الستينات تتتجلى الخيبة والياس مما الت اليه اوضاع العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين ويتضح هذا في روايات محمد البساطي (صخب البحيرة وجوع, مثلا) وابراهيم اصلان (مالك الحزين على سبيل المثال لا الحصر) وصنع الله ابراهيم (نجمة اغسطس, يوميات الواحات, امريكانلي, التلصص) جمال الغيطاني (الزيني بركات) وطبعا لا بد من اقحام اعمال عبد الرحمن منيف (مدن الملح, شرق المتوسط)غيره من الامثلة. في السنوات الخيرة تتابع الرواية العربية التعبير عن القلق الوجودي الذي يعيشه الانسان العربي او اكثر تحديدا المثقف العربي الذي بات عاجزا عن الوقوف امام الاسئلة الصعبة والتعجيزية حول صيرورة الزمن العربي, اسئلة ما زالت تراوح مكانها منذ بداية ما اصطلح على تسميته "عصر النهضة" منذ منتصف القرن التاسع عشر وحتى اللحظة الراهنة, اسئلة تخص الضعف العربي العام, وعدم مجاراة باقي الامم, والدونية المتمثلة في علاقة العرب مع الغرب, وغيرها من القضايا التي ما زلنا نتدوالها منذ قرنين من الزمان. في روايته "تغريدة البجعة" يطلق مكاوي سعيد الحشرجة الاخيرة لمثقف العربي البجعة التي تتهاوى وتسقط تعبر عن حالة التمزق والاضمحلال للمثقف العربي وفقدانه لدوره لا بل يأسه المطلق من مقاومة الاسئلة الصعبة التي يقف قبالتها, لا بل قل التحديات التي تحول دون تاديته ادنى تاثير على محيطه, فالمثقف العربي يقف عاجزا حيال الخراب المهول الذي حل في الدولة العربية, وفي المجتمع العربي ككل,انهيار قيمي تام, ظواهر اجتماعية هدامة كما يصف مكاوي سعيد ظاهرة اولاد الشوارع,  وتخلي  الدولة الوطنية  عن دورها في مقابل تعزيز طابعها القمعي والنفعي وانحسار دورها التنموي والتثقيفي والوطني في بناء مجتمع طبيعي. تغريدة البجعة ما هي الا اعلان عن موت المثقف العربي وربما الاعلان عن الياس المطلق والنهائي من اي امل في بعث احلام النهضة العربية المشتهاة منذ قرون هكذا وعلى نفس الطريقة اقول ان الكتابة العربية الجدية تعبر بشكل عام عن الخيبة والياس من الحداثة في العالم العربي وما هي الا اعلان عن دفن افكار هذه الحداثة في العالم العربي, هكذا نرى ابطال مكاوي سعيد المثقفين يسقطون الواحد تلو الاخر فاحدهم يصبح سلفيا متزمتا واخر صوفيا منقطعا عن العالم واخر يهوي الى هاوية الياس. ختاما اقول وعلى الرغم من نبرة السقوط التي تسم مقالتي ان الكتابة العربية تطورت كثيرا من الناحية الفنية, ان التغيير الهائل الذي احدثه جيل الستينات في انماط الكتابة الروائية جعل الرواية اكثر تعبيرا عن طبقات اجتماعية مهمشة واسمعت العالم اصواتا جديدة مثل : الاطفال, الفقراء, الطلاب, والمثقفين من الطبقات الدنيا, كما ان مجرد اثارة الاسئلة ومراجعة النفس خير من التقوقع والانغلاق على النفس, هل تكمن بارقة امل في هاتي النقطتين الايجابيتين الاخيرتين, تطور الرواية العربية, وطرح اسئلةاكثر عمقا وايلاما, ربما!

السبت، 11 ديسمبر 2010

زوابع وحمرنة

الى متى ستعصف بنا الرياح؟ التراب والغبار من نصيب النقباويين دائما, اتقتصر الزوابع والعواصف على الجغرافيا وحالة الطقس في الصحراء, الا تعتبر حياة البدوي في الصحراء بشكل عام مجموعة زوابع متلاحقة, الاخذ بالثار زوبعة, قرار الزواج والطلاق زوبعة, الكلام والنقاش زوابع وعواصف ورعد وبرق, عدا عن الهجمات فيما بين القبائل والصراعات اللا متناهية.. اليست طبيعة حياتنا زوابع في زوابع, عندما نغضب نثور في وجه الذي يحدثنا وتبدا العاصفة, الثورة, الى اي حد تعكس صعوبة الحياة في الصحراء وشظف العيش هذه الانماط الاجتماعية لحياة اهل الصحراء؟
ولماذا لم تحدث التغييرات في اساليب العيش تغييرا مرجوا في تصرفات سكان الصحراء, فما زالت تعصف بهم رياح الجهل والهيجان انها اسئلة تبحث عن اجابة؟
قبل ان انهي  هذه الافكار التي تتطاير مع الريح التي عصفت بالنقب سحابة هذا النهار من واجبي ان اشير الى ان اجمل وصف عبر عن حياة البدوي وتلك الصدمة, الازمة, الرضة, التي حدثت جراء التغيير في نمط حياته من بيت الشعر الى القصر المنيف, من الحمارة الى السيارة (الحمار حيوان لطيف جدا وافضل من الكثير من البشر ) افضل من فعل ذلك هو المبدع الراحل عبد الرحمن منيف في روايته الخالدة "التيه" احدى روايات خماسية  مدن الملح وهي خماسية تضم خمس روايات كبيرة, الرواية الاولى "التيه" هي من اجمل ما قرات من الادب العربي الحديث وتصف انتقال االبدو في السعودية من حياة البداوة الى حياة الحمرنة (التمدن مثلما حدث للبدو في الخليج) ان وصف منيف لذلك التحول تصاحبه سخرية سوداء تهكمية تقتل ضحكا ومرارة فلله درك يا منيف, وبالمناسبة انصح بمطالعة روايات منيف الاخرى (خاصة "شرق المتوسط).
اخير ساسال سؤلا غير ابه باجابة من احد : هل رايتم مرة بدويا - عربيا - يقرا كتابا في محطة الباص, او في المصرف, او المدرسة او في الجامعة او في الكلية (اتحدث عن كتاب للمطالعة, مطالعة خالصة لوجه الله) انا لم ار شيئا كهذا.. وتستمر الزوابع..

الجمعة، 26 نوفمبر 2010

نظرات

 لي صديق حميم يرغب منذ زمن بعيد ان يصبح روائيا يحاول هنا وهناك, سافر الى امريكا شيكا بيكا تشرد في شوارعها سنة كاملة تصعلك وعانى الامرين من برد وجوع ونقص في الاموال, قبل شهر رايته بعد العودة من امريكا كان خالي الوفاض لا رواية ولا قرش في جيبه فكتبت لاصف حال ذلك المسكين هذه الكلمات التي عبرت عن حزني على ذلك الصديق البائس هذه الرسالة تصف حال ذلك الرفيق الذي بدا دراسته الجامعية مؤخرا وهو الان يدرس الفلسفة في جامعة القدس:

"اختلطت علي الامكنة والازمنة, لم اعد قادرا على التمييز بين المكان والزمان, ابدو كانني فاقد للوعي كما قال لي احد زملاء العمل هذا الصباح, لا لا انا اعرف هذا الشخص الجديد الذي هو انا في الايام الاخيرة. اتعثر في التعبير عن ابسط الاشياء استعمل اكثر من لغة, اعاني الامرين قبل ان ارسو على بر لغة ما, تجدني اتشدق بالانجليزية تارة واهذي بالعبرية طورا واعود اهمس بعربية مكسرة لا تصلح حتى لسوق الخضار تارة اخرى.
ما الذي يجري ؟ اين هو المطر الذي يغسل جراح الروح  ويلامس شغاف القلب .. عدنا للهذيان من جديد. لما لا.
يوم امس كنت في محاضرة في موضوع الفلسفة كنت الوذ الى عالم اخر اكثر امنا علم بوشي او اوبامي (من لسان بوش واوباما).. حطت على كتفي ربة الشعر وكتبت قصيدة عصماء تعبر عما الت اليه احوال مناخ الروح مؤخرا. بين الفينة والاخرى تناهى الى مسامعي صوت المحاضرة تتحدث عن الذوق والجمال حسب الفيلسوف الاسكتلندي الشهير ديفيد يوم.
المهم انني كتبت قصيدة احكي - اهذي- فيها لنفسي عن نظرات الزملاء اليهود الي كانت نظرة تتسم بالتنكر والاستغراب لهذا (انا) الشرقي الاسمر القادم من مجاهل المشرق, طبعا مقابل اولئك "الاوربيين" الحضاريين مع انهم من ابناء عمي المزرحييم القادمين حقيقة وفعلا من مجاهل اليمن ومغاراته والمغرب والعراق ومصر. الا انني طبعا هو الجاهل القادم من المجاهل. يستغربون ما علاقتي وانا الشرقي الارعن بالفلسفة التي هي من نصيبهم هم الاوربيون الانقياء. اجلس اخط بعض الكلمات الغبية حول تلك النظرات .. شكرا لتلك النظرات الاستشراقية العدائية .. كانت سببا في اقتحام شيطان الشعر المكان واستحضار روح وادي عبقر الزمان وولادة القصيدة العصماء"نظرات" والتي لا علاقة لها لا من بعيد ولا من قريب اي  مع نظرات وعبرات مصطفى لطفي المنفلوطي.
المهم في الامر ان المعلقة الجديدة ..هي عبارة عن خرابيش لا اول لها ولا اخر على ورقة لا ادري ما فصلها ولا اصلها دسستها في حقيبتي. عندما وصلت الى الدار عند المساء وقد ارخى الليل سدوله بحثت عن المخطوطة ولكن راحت عبثا كل محاولاتي . ضاعت القصيدة وفقد الشعر العربي القديم احدى درره الثمينة.. اه عدنا الى الهذيا من جديد.. لما لا"